يأتي إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، استئناف المفاوضات التجارية مع الصين على هامش قمة العشرين التي عُقدت مؤخراً بمدينة أوساكا اليابانية، ليجدد الأمل في التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وبكين ولينهى الحرب التجارية التي أدت إلى تباطؤ معدل نمو الاقتصاد العالمي.

وقد جاء الإعلان عن استئناف المفاوضات التجارية بين البلدين، متواكباً مع موافقة واشنطن على عدم فرض رسوم جمركية جديدة على وارداتها من الصين، الأمر الذي يثير التساؤلات حول مدى نجاح الرئيس الأمريكي ونظيرة الصيني هذه المرة في تجاوز الخلافات والتوصل إلى اتفاق دائم بينهما.

وقد سبق هذا الإعلان تلميحات سياسية تمهد الطريق نحو استئناف المفاوضات التجارية بين واشنطن وبكين، منها أنه بعد لقاء الزعيمين على هامش قمة مجموعة العشرين في أوساكا، أكدت وسائل الإعلام الصينية أن البلدين سيستأنفان المفاوضات “على أساس المساواة والاحترام المتبادل” ، وافتتح الرئيس الصيني شي اللقاء بالإشارة إلى أنهما يجلسان قريباً من المكان حيث لعب فريقا البلدين كرة الطاولة قبل 48 سنة، في مباراة مهدت لما عرف لاحقاً بـ”دبلوماسية البينج بونج”، إذ فتحت الباب أمام إعادة العلاقات الدبلوماسية إلى طبيعتها بين بكين وواشنطن.

وقال شي لنظيره الأمريكي” إنه “بإمكان الصين والولايات المتحدة الربح معاً عبر التعاون والخسارة معاً من خلال الاقتتال”. وشدد على رغبته بتبادل وجهات النظر مع ترامب لدفع العلاقات قدماً، وتأكيده على نية بكين “دعم العلاقات الصينية الأمريكية بناء على التنسيق والتعاون والاستقرار”.

من جانبه أكد ترامب أنه لن يفرض رسوماً جمركية جديدة على الواردات الصينية حالياً، وأن المفاوضات مع بكين من أجل التوصل إلى اتفاق تجاري ستُستأنف، وقال لاري كودلو، المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض “إن ممثلين كباراً من الولايات المتحدة والصين سيجتمعون، الأسبوع المقبل، لاستئناف المحادثات التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم”.

ثمة مجموعة من الدوافع التي دفعت بكل من الرئيس الأمريكي ونظيره الصيني خطوات للأمام نحو استئناف المفاوضات التجارية بين الجانبين.

فعلى الجانب الأمريكي، تمثلت الدوافع في الآتي: أولاً: يتعرض الرئيس ترامب لضغوط شديدة من قبل تجار التجزئة الذين تضرروا من الحرب التجارية بين البلدين، كما يعتقد ترامب أن أي صفقة جيدة مع بكين من شأنها أن تساعده في إعادة انتخابه العام المقبل.

ثانياً : وفقاً لتقارير، يبدو أن ترامب على علم بعدم رضا أو تقبل الموردين الأمريكيين للسياسة الأمريكية الحالية تجاه شركة هواوي، خاصة وأن الولايات المتحدة تبيع كميات هائلة من المنتجات لهواوي، وأن قرار حظرها سيضر في نهاية المطاف بالأعمال التجارية الأمريكية والمستهلكين الأمريكيين.

أما بالنسبة للدوافع الصينية لاستئناف المفاوضات التجارية مع واشنطن فتتمثل في الآتي: أولاً: يرى خبراء أن الرئيس الصيني يريد تجنب حرب تجارية شاملة من شأنها أن تؤدي إلى قيود على وصول الصين إلى التكنولوجيا الأمريكية.

ثانياً: أن الصين بعد واقعة هواوي أدركت أنه لا ينبغي لها الاعتماد على التكنولوجيا والأسواق الأمريكية في المستقبل ولتحقيق الاستقلال الذاتي تحتاج الصين إلى كسب الوقت للمضي قدماً في تطورها التكنولوجي، ولذا فإنها على استعداد لتخفيف النزاعات التجارية في الوقت الحالي.

يشكك خبراء ومحللون في مستقبل المفاوضات التجارية بين واشنطن وبكين، برغم تعهد واشنطن بعدم فرض تعريفات جديدة على السلع الصينية بقيمة 300 مليار دولار، والسماح للشركات الأمريكية باستئناف مبيعاتها إلى شركة هواوي، وموافقة الصين على شراء كمية غير محددة من السلع الأمريكية لتخفيض العجز التجاري.

ووفقاً للخبراء فإن مرجع هذه الشكوك أن بكين لم تستجب لكل المطالب الأمريكية التي سبق أن قدمتها واشنطن، بما في ذلك مطالبة بكين بتخفيض الدعم الصناعي ووجود آلية لرصد التقدم المحرز في وعودها.

وما زال هناك مخاوف ممثلي رابطات صناعية وتجارية أمريكية، من تداعيات النزاع التجاري، على أسواق المال والنمو الاقتصادي الأمريكي، بسبب ارتباط العديد من الشركات الكبرى بالسوق الصيني.

وفي هذا الصدد، قالت إيرين إينيس ، نائبة رئيس مجلس الأعمال الأمريكي – الصيني ، “إن ما سمعناه من الشركات الأمريكية بشكل رئيسي هو أن لديها درجة عالية من عدم اليقين بشأن ما يجري في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين”، وأن هذا الأمر لا ترغبه الشركات”.

وأضافت إن “الشركات تريد أن تعرف إلى أي مدى سيصل سعر منتجاتها وأين ستكون أسواقها. إنها ترغب في معرفة هذه الأشياء على المدى الطويل”، مؤكدة أن حل القضايا التجارية الثنائية “بطريقة جوهرية” من شأنه أن يصب في المصلحة الأساسية للشركات الأمريكية.

وفي المقابل ثمة شكوك صينية، فقد جاء الرد على استئناف المحادثات حذرا، حيث قال مراقبون دبلوماسيون إنه تم تجنب تصعيد الحرب التجارية، لكنهم لا يزعمون أنها انتصار، وأن بكين وواشنطن لا تزال بينهما خلافات كثيرة وأن المواجهات الكبرى ما زالت ممكنة.

يبقى القول أنه من الصعب الحكم في هذه المرحلة على نجاح استئناف المفاوضات التجارية بين واشنطن وبكين، لأن هناك اختلافات في الإدارة الأمريكية فيما يتعلق بكيفية التعامل مع الصين ، خاصة مع بروز الصورة السلبية للمحادثات التجارية بين البلدين من قبل والتي انهارت في مايو الماضي، عندما قال ترامب إن بكين تراجعت عن بعض وعودها ، ورفعت واشنطن الرسوم الجمركية على الواردات الصينية.