تقرير | تزوير الأرقام الوطنية تهديد صامت يطال الأمن القومي

تقرير | تزوير الأرقام الوطنية تهديد صامت يطال الأمن القومي
محليات
الخميس 16 أبريل 2026

تعتمد الدولة الليبية على منظومة الرقم الوطني كركيزة لإثبات الهوية وتنظيم الحقوق والواجبات، ولكن مؤخرا برزت جرائم تزوير بيانات الأحوال المدنية كأحد أخطر التحديات التي تواجه مؤسسات الدولة، هذه الجرائم لم تعد حالات فردية معزولة، بل تحولت إلى نمط إجرامي منظم يهدد سلامة السجل السكاني، ويقوّض أسس العدالة، ويفتح الباب أمام اختراقات تمس الأمن القومي بشكل مباشر، ومع تزايد أعداد الأرقام الوطنية المزورة تتصاعد مطالبات شعبية وسياسية في ليبيا للعودة إلى سجلات تعداد السكان لعام 1954 كمرجعية أساسية لتنقية الرقم الوطني وتحديد الهوية الليبية وإسقاط الجنسية عن آلاف حصلوا عليها بطرق غير مشروعة.

فقد كشفت الوقائع التي باشرتها النيابة العامة في عدد من دوائر محاكم الاستئناف عن حجم الظاهرة واتساع نطاقها الجغرافي من شرق البلاد إلى غربها، ففي نطاق محكمة استئناف الخمس، وجّه محققو قضايا تزوير الأحوال المدنية بوقف (243) رقماً وطنياً ثبت إدراج بيانات مزوّرة ضمن (25) قيداً عائلياً في مكتب السجل المدني زليتن، مع تتبع المنافع المالية الناتجة عن هذه الجريمة، ووقف المستخرجات الإدارية المبنية عليها.

وفي سياق متصل، أمرت النيابة العامة في دائرة محكمة استئناف طبرق بوقف (251) رقماً وطنياً مزوراً، بعد إثبات تزوير (50) قيداً عائلياً بمكتب السجل المدني عمر المختار، مع إحالة مستفيدين إلى القضاء، وملاحقة الموظفين المتورطين.

أما في نطاق مكتب المحامي العام الخمس، فقد كشفت التحقيقات عن حصول (11) أجنبياً على أرقام وطنية مكنتهم من الاستفادة من منح مخصصة لليبيين، ما استدعى حبس الموظف المسؤول ووقف الأرقام وتصحيح البيانات.

وفي مصراتة أيضا، أظهرت التحقيقات إصدار (39) قيداً عائلياً بناءً على شهادات جنسية مزورة، ترتب عليها تمكين نحو (200) أجنبي من الحصول على أرقام وطنية والتمتع بكامل حقوق المواطنة، وهو ما دفع سلطة التحقيق لاتخاذ إجراءات عاجلة بوقف هذه الأرقام وملاحقة المتورطين.

كما رصدت التحقيقات في طرابلس حالة تآمر بين أجنبي وموظفين بمكتب السجل المدني الهضبة، أسفرت عن استخراج (19) رقماً وطنياً استُخدمت في الحصول على جوازات سفر، ومنح مالية، وحتى المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، وهو ما يعكس خطورة استغلال هذه الثغرات في التأثير على المسار السياسي للدولة.

أما في مدينة البيضاء، فقد ثبت تزوير بيانات مكّنت (14) شخصاً من الحصول على أرقام وطنية بطرق غير مشروعة، فيما كشفت تحقيقات غريان عن وافد استغل وثائق مزورة للعمل في قطاع التعليم لمدة (22) عاماً، مستفيداً من مزايا وظيفية ومالية دون وجه حق.

الأبعاد الأمنية والخطر على الأمن القومي
لا تقتصر خطورة تزوير الأرقام الوطنية على الجانب الإداري أو المالي فحسب، بل تمتد إلى تهديدات عميقة للأمن القومي، فمنح غير الليبيين صفة المواطنة يخلّ بالتركيبة السكانية ويضعف سيادة الدولة على سجلها المدني، كما أنه يمثل تهديد مباشر على الانتخابات الوطنية، فتمكين المزورين من المشاركة في الانتخابات يفتح المجال للتلاعب بنتائجها والتأثير على القرار السياسي.

بالإضافة إلى أنه استنزاف للموارد العامة يمكّن أصحاب الأرقام المزورة غير المستحقين من الوصول إلى المنح والدعم وحتى النقد الأجنبي وبالتالي يؤدي إلى هدر المال العام، و التغلغل في مؤسسات الدولة عن طريق توظيف أشخاص بهويات مزورة داخل أجهزة حساسة يشكل خطراً أمنياً مباشراً.
ولكن الأدهى هو تورط موظفين عموميين في عمليات التزوير الأمر الذي يكشف عن وجود شبكات منظمة تستغل الثغرات الإدارية لتحقيق مكاسب غير مشروعة.

وأمام كل هذا التحدي برزت جهود مكتب النائب العام كخط دفاع أول لمواجهة جرائم تزوير الأرقام الوطنية، من خلال تحريك دعاوى وتشكيل لجان مختصة لتتبع جرائم التزوير في مختلف المدن، حيث شملت التحقيقات عدة مكاتب للسجل المدني، وأفضت إلى ضبط متهمين، وإصدار أوامر حبس، ووقف مئات الأرقام الوطنية المزورة.
يتبعها بشكل مباشر تتبع العوائد المالية غير المشروعة، وإلغاء الآثار القانونية المترتبة على البيانات المزورة، وهو ما يعكس توجهاً حازماً نحو حماية منظومة الهوية الوطنية وتعزيز سيادة القانون.

تُبرز هذه القضايا حجم التحدي الذي تواجهه أجهزة الدولة في حماية منظومة الرقم الوطني، والدفاع عن الهوية والسيادة الوطنية. كما أن تحصين قواعد البيانات يتطلب ترسيخ مبدأ المساءلة، بما يشمل مراجعة ملفات الجنسية، وسحبها ممن تحصلوا عليها بطرق مزورة، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم وفق التشريعات النافذة، فالحفاظ على سلامة الرقم الوطني ليس مجرد إجراء إداري، بل هو معركة سيادية تمس حاضر الدولة ومستقبلها.

اعداد : هاجر الدرسي

شارك هذا الخبر: