ما بين الخطوة والمكان… جليانة ترسم وجهًا جديدًا للحياة في بنغازي
محليات
السبت 11 يوليو 2026
تقرير | وكالة أنباء المستقبل
في قلب مدينة بنغازي، حيث تتقاطع تفاصيل الحياة اليومية مع حاجة الإنسان إلى المساحات المفتوحة، يظهر مضمار جليانة كأكثر من مجرد مكان للمشي. فهو مساحة تحمل في تفاصيلها علاقة مختلفة بين الإنسان والمدينة؛ علاقة تقوم على الحركة، والتأمل، والشعور بالانتماء إلى المكان.
المكان هنا ليس مجرد مساحة جغرافية، بل تجربة إنسانية تتشكل مع كل خطوة. فالأشخاص الذين يقصدون المضمار لا يبحثون فقط عن ممارسة الرياضة، بل عن لحظة هدوء، وعن مساحة تمنحهم فرصة للابتعاد عن إيقاع الحياة السريع واستعادة توازنهم بين الجسد والروح.
الخطوات التي تُرسم على امتداد المضمار تحمل معنى يتجاوز الحركة. فالمشي يصبح وسيلة لاكتشاف المكان، والتفاعل معه، والشعور بحضور الإنسان داخل مدينته. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة تجربة جليانة من خلال مفهوم “الدازاين”، أي “الوجود هنا”، حيث يرتبط وجود الإنسان بالمكان الذي يعيش فيه وباللحظة التي يختبرها.
الحرية هي أحد المعاني التي يمنحها هذا الفضاء المفتوح. فالمسار الذي يتيح للإنسان الحركة والانطلاق يعكس حاجة أساسية إلى فضاءات حضرية تمنح الأفراد القدرة على الاختيار والتفاعل بعيداً عن القيود.
الجمال هو جزء من وظيفة المكان وليس مجرد عنصر شكلي. فالمساحات المنظمة والقريبة من المشهد الساحلي تمنح المدينة قيمة بصرية وإنسانية، وتؤكد أن الجمال الحضري يمثل حاجة مرتبطة بجودة الحياة والصحة النفسية.
مضمار جليانة يمثل نموذجاً للمكان الذي يعيد تعريف وظيفة الفضاء العام. فهو لا يقدم طريقاً للعبور فقط، بل يوفر بيئة تساعد على التواصل الاجتماعي، وتشجع على تبني أسلوب حياة أكثر نشاطاً، وتعزز علاقة السكان بمدينتهم.
ولضمان استدامة هذا الدور، تبرز مجموعة من التوصيات التي يمكن أن تدعم قيمة المضمار وتوسع أثره المجتمعي:
أولاً: تعزيز المشاركة المجتمعية
إشراك سكان المنطقة في متابعة احتياجات المضمار والمحافظة عليه، وتنظيم فعاليات مجتمعية مثل مسابقات المشي والأنشطة العائلية والمبادرات الصحية.
ثانياً: دعم مفهوم التنقل النشط
ربط المضمار بممرات المشاة ومسارات الدراجات الهوائية ضمن شبكة حضرية تشجع الحركة وتوفر بدائل أكثر استدامة للتنقل داخل المدينة.
ثالثاً: نشر الثقافة الصحية
إضافة لوحات إرشادية توضح فوائد المشي، والمسافات المقطوعة، وأثر النشاط البدني في تحسين الصحة العامة.
رابعاً: تعزيز البعد البيئي والجمالي
زيادة التشجير وتوفير مناطق ظل ونقاط مياه للشرب، بما يرفع مستوى الراحة ويجعل استخدام المضمار أكثر استمرارية.
جليانة ليست مجرد مساحة للمشي، بل صورة مصغرة عن المدينة التي تمنح الإنسان مكاناً للحياة. ففي المدن التي تزداد فيها سرعة الإيقاع وتغلب فيها حركة المركبات، تصبح المساحات الإنسانية ضرورة وليست رفاهية.
بنغازي، بما تحمله من تاريخ وتحولات، تحتاج إلى مزيد من الأماكن التي تعيد الإنسان إلى مركز المشهد الحضري. ومضمار جليانة يقدم رسالة بسيطة وعميقة في الوقت ذاته: أن بناء المدينة لا يكون بالخرسانة والطرق فقط، بل بالأماكن التي تمنح سكانها فرصة للقاء، والتأمل، والشعور بأنهم جزء من المكان.
فبين الخطوة والمكان تتشكل حكاية جديدة؛ حكاية مدينة تستعيد علاقتها بالإنسان، وتفتح مساحات جديدة للحياة.