تقرير | "لأنني كنت صبيًا"… حين كتب السجين قضيته بيده.
محليات
دولي
الأحد 2 أغسطس 2026
“كنت أريد أن أكون لاعب كرة قدم… فوجدت نفسي متهمًا بقتل 49 إنسانًا.”
في أغسطس 2015، كان علاء فرج شابًا ليبيًا في العشرين من عمره، طالبًا للهندسة ولاعب كرة قدم واعدًا من بنغازي، كانت الحرب قد أغلقت أبواب الجامعة وأوقفت النشاط الرياضي، بينما بدا المستقبل في بلاده غامضًا.. أراد الوصول إلى أوروبا، إلى مكان يستطيع فيه الدراسة ومواصلة حلمه الرياضي.
صعد البحر مع أصدقاء له، بحثًا عن بداية جديدة، لكن الرحلة التي بدأت بحلم انتهت بكارثة عُرفت في إيطاليا باسم “مجزرة فيراغوستو”.
في 15 أغسطس 2015، وصلت سفينة تقل مهاجرين إلى السواحل الإيطالية بعد حادثة مأساوية، كان على متن القارب نحو 360 شخصًا، وعُثر في عنبره السفلي على جثث 49 مهاجرًا ماتوا اختناقًا.
كانت إيطاليا أمام كارثة إنسانية ضخمة، وتبحث عن الفاعل..
بحسب رواية الشباب الليبيين أن خفر السواحل الإيطالي وجه سؤالا للمجموعة الناجية "أين هم الليبيين؟"
وسط هذه الفوضى، وجد علاء فرج نفسه متهمًا بأنه أحد أفراد طاقم القارب، وأنه شارك في الجريمة فاعتقل الشاب مع رفاقه.
ومن هنا بدأت قصة استمرت أكثر من عقد، لم يكن علاء يفهم اللغة الإيطالية في بدايات محاكمته، ولم يتوقف عن إعلان براءته لكن عام 2017 صدر بحقه حكم بالسجن لمدة ثلاثين عامًا بتهم تتعلق بالمشاركة في القتل المتعدد والمساعدة في الهجرة غير النظامية. وأصبح اسمه مرتبطًا في الإعلام والقضية بوصفه “سائق القارب” أو “المهرّب”.
كان يمكن أن تنتهي الحكاية هنا، في ملف قضائي مغلق، وحكم نهائي، وسجين يقضي عمره خلف القضبان.
لكن علاء قرر أن يكتب رواية “Perché ero ragazzo”، أي “لأنني كنت صبيًا”، صدرت عن دار Sellerio عام 2025 الرواية مبنية على رسائل كتبها علاء من داخل سجن أوتشياردوني في باليرمو، بخط يده، على مئات الأوراق التي كان يرسلها إلى أليساندرا شيوربا، أستاذة القانون والناشطة التي التقت به في السجن.
كان يكتب باللغة الإيطالية التي تعلمها داخل الزنزانة فحولها إلى شهادة براءة.
في الرسائل، يعود علاء إلى حياته في بنغازي، إلى عائلته، وأصدقائه، وكرة القدم، ثم إلى قرار الرحيل، والرحلة البحرية، والاعتقال، والتحقيق، والمحاكمة، والسنوات الطويلة خلف القضبان.
علاء لا يكتب لكي يروي حياته فقط، وإنما لكي يعيد بناء القضية من وجهة نظر الشخص الذي كان غائبًا عن الرواية التي صنعتها عنه الاتهامات، وفي إحدى أهم المفارقات في القصة، كان القضاء قد وضعه داخل ملف ضخم واسم مجزرة يرافق صورته وبات مرتبطا بالتهريب والموت في عرض البحر، بينما حاول الكتاب أن يعيد إليه اسمه، عمره، عائلته، أحلامه، وصوته.
في أبريل 2026، حصل “لأنني كنت صبيًا” على جائزة Tiziano Terzani الدولية، إحدى الجوائز الأدبية المهمة في إيطاليا، ورأت لجنة الجائزة في العمل قصة نموذجية عن الكرامة والشجاعة، واعتبرت الرسائل التي كتبها علاء من السجن عملًا أدبيًا قائمًا بذاته.
شاب ليبي يقضي سنوات خلف القضبان، يتعلم الإيطالية داخل السجن، يكتب قصته بيده، ثم يحصل كتابه على جائزة أدبية دولية في البلد الذي حُكم عليه فيه بالسجن.
في مايو 2026، وافقت محكمة الاستئناف في ميسينا على طلب إعادة النظر في قضية علاء، وقررت تعليق تنفيذ العقوبة والإفراج عنه في انتظار إجراءات المراجعة، وبعد نحو أحد عشر عامًا في السجون الإيطالية، خرج علاء من سجن أوتشياردوني في باليرمو.
القضية دخلت مرحلة جديدة، والمحاكمة ستُعاد مراجعتها لذلك تبقى البراءة النهائية مسألة قضائية تنتظر ما ستقرره المحكمة ولكن مجرد قبول إعادة النظر بعد سنوات من الإدانة يعد تحولًا كبيرًا في مسار القضية.
حتى الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا كان قد منحه في ديسمبر 2025 عفوًا جزئيًا خفّض العقوبة بـ11 عامًا وأربعة أشهر، مع الأخذ في الاعتبار صغر سنه وقت وقوع الأحداث ومساره خلال سنوات السجن.
والأهم أن قصة علاء كشفت قضية أوسع تتعلق بما يُعرف في إيطاليا بملفات “السائقين” أو “scafisti”؛ أي المهاجرين الذين قد يجدون أنفسهم متهمين بالمشاركة في تهريب البشر أو قيادة القوارب، رغم أن بعضهم يكون مهاجرًا مثل بقية الركاب.
وتشير منظمات حقوقية إلى أن هذه المشكلة طالت آلاف الأشخاص خلال السنوات الماضية، ما جعل قضية علاء تتجاوز شخصه لتطرح سؤالًا عن الطريقة التي يُبحث بها عن المسؤولين عن كوارث البحر، وعن الحد الفاصل بين المهرب والمهاجر، وعن مدى كفاية الأدلة والشهادات التي تُبنى عليها أحكام قاسية.
علاء نفسه قال إنه يريد العدالة له وللأشخاص الـ49 الذين ماتوا، ولم يطلب محو المأساة، ولا إنكار موت أصحابها، ولكن مأساة 49 إنسانًا لا ينبغي أن تنتج مأساة إنسان آخر ليصبحوا 50 خصوصا إذا كانت الأدلة لا تكفي لإدانته.
إعداد : هاجر الدرسي