تقرير … من قصر المنار إلى قاريونس.. سبعة عقود بين التأسيس وإعادة الإعمار

تقرير … من قصر المنار إلى قاريونس.. سبعة عقود بين التأسيس وإعادة الإعمار
محليات
الثلاثاء 18 أغسطس 2026

من قصر المنار في قلب بنغازي بدأت قصة جامعة لم تكن مجرد مؤسسة للتعليم العالي بل كانت منذ نشأتها الأولى عنوانا لمرحلة جديدة في تاريخ الأمة الليبية

في الخامس عشر من ديسمبر عام 1955 صدر قانون إنشاء الجامعة الليبية لتكون أول جامعة في البلاد وجعلت من مدينة بنغازي مقرا لنواتها الأولى وبعد أسابيع قليلة وتحديدا في الثاني والعشرين من يناير عام 1956 افتتحت الجامعة رسميا وبدأت الدراسة فعليا بكلية الآداب والتربية التي شكلت النواة الأولى للجامعة واستقبلت في عامها الأول واحدا وثلاثين طالبا وتولى تدريسهم ستة من أعضاء هيئة التدريس إلى جانب تسعة موظفين إداريين

اختارت الأمة الليبية في بدايات الاستقلال أن تجعل من التعليم العالي إحدى أدوات بناء الدولة الحديثة وتبرع الملك إدريس السنوسي بقصر المنار ليكون مقرا للجامعة في سنواتها الأولى قبل أن تتوسع المؤسسة وتنتقل لاحقا إلى المدينة الجامعية في قاريونس التي أصبحت أحد أبرز معالم بنغازي العلمية

ومع مرور السنوات اتسعت الجامعة من كلية واحدة إلى منظومة أكاديمية تضم تخصصات متعددة
ففي عام 1957 أنشئت كلية الاقتصاد والتجارة ثم جاءت كلية القانون عام 1962 وبعدها كلية الطب البشري عام 1970 وكلية الهندسة عام 1973 ثم كلية طب وجراحة الفم والأسنان وكلية العلوم عام 1974 وتواصلت بعد ذلك عملية استحداث الكليات والتخصصات لتشمل الصيدلة والصحة العامة وتقنية المعلومات والإعلام والعلوم الطبية الحيوية واللغات وغيرها من المجالات

وفي عام 1973 انتقلت الجامعة إلى مقرها الحالي في قاريونس ثم تغير اسمها إلى جامعة قاريونس عام 1976 قبل أن تستعيد اسمها التاريخي جامعة بنغازي عام 2011

ومن هذه القاعات خرجت أجيال من الأطباء والمهندسين والقانونيين والأكاديميين والإعلاميين والفنانين والسياسيين الذين تركوا بصماتهم في مجالات مختلفة داخل البلاد وخارجها

لكن الجامعة التي ارتبط تاريخها ببناء الدولة وجدت نفسها بعد عقود أمام واحدة من أصعب مراحلها .. عام 2014 دخلت بنغازي مرحلة من القتال المسلح وأصبحت الجامعة ومحيطها جزءا من المشهد الأمني المضطرب

توقفت الدراسة أكثر من مرة حفاظا على سلامة الطلبة وأعضاء هيئة التدريس وأعلنت الجامعة في صيف ذلك العام عن تعليق الدراسة ثم حاولت استئنافها قبل أن تضطر في سبتمبر من نفس العام إلى تعليقها إلى أجل غير مسمى بسبب استمرار تدهور الوضع الأمني

ومع اتساع رقعة المواجهات تحولت أجزاء من المدينة الجامعية إلى ساحة للقتال وتعرضت مباني الجامعة ومرافقها لأضرار واسعة حيث شهد الحرم الجامعي معارك عنيفة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2014 و2016 حتى طال الدمار عددا كبيرا من مبانيه

ولم يكن الضرر في الجدران وحدها بل طال أيضا وثائق المكتبة المركزية النادرة والكثير من المخطوطات والكتب التي سرق منها ما سرق وتحول جزء مما تبقى إلى رماد كما واجهت الجامعة خلال تلك المرحلة خطر فقدان اعتمادها الدولي

فالحرب دفعت العملية التعليمية إلى خارج الحرم الجامعي وأجبرت الجامعة على البحث عن أماكن بديلة لمواصلة الدراسة فيما تحولت بعض المدارس إلى قاعات دراسية مؤقتة واستمر الطلاب في تحصيلهم العلمي وسط ظروف استثنائية وحتى بعد العودة درس الكثير منهم وتخرجوا من غرف السكن الجامعي التي تحولت إلى قاعات دراسية

وبقيت الجامعة لسنوات تحمل آثار تلك المرحلة فيما ظل حلم العودة إلى المدينة الجامعية قائما حتى بدأت مرحلة الإعمار

مرحلة لا تقوم على ترميم ما تهدم فقط بل على إعادة بناء الجامعة بصورة مختلفة

وتوسعت مشاريع إعادة الإعمار داخل المدينة الجامعية لتشمل المباني الأكاديمية والقاعات الدراسية والطرق الداخلية والمرافق والخدمات والتجهيزات كما شملت إعادة تأهيل مبان كانت قد تعرضت لدمار واسع خلال الحرب

وتابعت إدارة صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا هذه المشاريع واستكمال أعمال البنية التحتية داخل الجامعة وحتى يوليو 2026 كانت أعمال إعادة تأهيل كلية القانون قد وصلت إلى نحو خمسة وتسعين في المئة في إطار مشاريع إعادة إعمار الجامعة

واليوم تستعد جامعة بنغازي لفتح صفحة جديدة من تاريخها

فبعد سبعة عقود تقريبا من تأسيسها وبعد سنوات من الحرب والدمار تستعد أم الجامعات الليبية للعودة إلى مقرها بحلة جديدة

وفي الرابع من سبتمبر 2026 سيكون موعد حفل الافتتاح الكبير لجامعة بنغازي بكافة كلياتها ومرافقها بعد استكمال أعمال إعادة إعمارها وذلك بإشراف ومتابعة المهندس بالقاسم خليفة حفتر مدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا

إن عودة جامعة بنغازي لا تختصرها صورة مبنى جديد أو قاعات أعيد تجهيزها

فالجامعة التي بدأت عام 1955 بواحد وثلاثين طالبا كانت جزءا من قصة تأسيس الدولة الليبية الحديثة والجامعة التي أغلقت أبوابها تحت وطأة الحرب تعود اليوم لتفتحها أمام جيل جديد من الطلاب

من قصر المنار إلى قاريونس ومن سنوات التأسيس إلى سنوات الحرب ثم إلى مرحلة الإعمار تبدو حكاية جامعة بنغازي أقرب إلى صورة مصغرة لمسار المدينة كاملة.. مدينة عرفت الدمار والإرهاب ثم اختارت أن تعود بالعلم لتفتح أبوابها من جديد أمام أجيال من الكفاءات.

إعداد : هاجر الدرسي

شارك هذا الخبر: