الوأد المعنوي ..الميثاق الغليظ تحوّل إلى عبء غليظ

الوأد المعنوي ..الميثاق الغليظ تحوّل إلى     عبء غليظ
محليات
الاثنين 13 يوليو 2026

من ظن أن الوأد انتهى في بلادنا فهو مخطئ، هو فقط غادر الرمال، وسكن القوانين، والعادات، ونظرات الناس، والصمت الطويل..
فالوأد لم يعد يحتاج إلى حفرة، يكفيه قانون عاجز، وضمير اعتاد أن يفتح عينيه متأخرًا، وبالتالي لم تعد الطفلة تُدفن في حفرة، بل قد تُدفن امرأة كاملة وهي لا تزال تمشي بيننا.

رحلة المرأة في ليبيا تبدأ خلف الأبواب المغلقة، وإذا وصلت إلى باب المحكمة ظنت أنها بلغت بر الأمان، لتكتشف أن العدالة سراب، كلما ركضت نحوه ابتعد أكثر، وأن الرحلة لا تنتهي عند باب المحكمة، بل تبدأ منه.!

حتى اليوم، لا يزال القانون الليبي يفتقر إلى نصوص صريحة تجرّم العنف الأسري بصورة توفر الحماية الحقيقية، بل وهناك مواد قانونية تخفف العقوبة في بعض القضايا، بما يفتح بابًا واسعًا للإفلات من المحاسبة.

أما المجتمع مستعد أن يقول “اصبري”، لكن عندما تبدأ رحلة المحاكم يختفي الجميع!
لا أحد يدفع أتعاب المحامي، ولا رسوم القضايا، ولا ثمن المواصلات، ولا يشتري حفاظات أو حليبًا لطفلها، وبعد سنوات من الجلسات المؤجلة، تلجئ للعرف فيقترح عليها أن تدفع هي “الضرر” حتى تحصل على ورقة الخلاص
وهنا يحق لنا أن نسأل من الذي طلق الآخر فعلًا؟

ثم تأتي لحظة الطلاق، فتبدأ معركة جديدة تجد المرأة نفسها أمام خيارات بعيدة عن العدالة تتنازل عن أطفالها، أو تتنازل عن نفقتهم، أو تدخل سنوات من النزاعات لتحصل على مبلغ لا يكفي لشراء أبسط احتياجاتهم!! وأظن أن الحل العملي هو أن يتناول الأطفال نصوص القانون على الإفطار والغداء والعشاء، فربما تسد جوعهم أكثر من المائة دينار.

بالحديث نفقة الطفل، اطمئنوا..
القانون منحه مئة دينار، وعليه فقط أن يحسن إدارة الميزانية يختار بين يأكل أو يلبس أو يمرض، لأن بعض نصوص القانون تعيش في زمن كانت فيه المئة دينار ثروة، لذا خذوا هذه النصوص معكم إلى السوق وحاولوا شراء احتياجات طفل بها لأنها بسعر الصرف القديم عندما كان الدينار يساوي دولار.

لأن بعض الآباء يطوون صفحة الأبوة لحظة صدور حكم الطلاق، وكأن أبناءهم كانوا جزءًا من عقد الزواج، وانتهت المسؤولية بانتهائه.

فيتحول الإنفاق إلى معركة، وتأجيل الجلسات إلى وسيلة انتقام، والسؤال عن الأبناء إلى عبء،
يدفع الطفل من خلاله ثمن خلاف لم يختره، فالانتقام لا يحتاج دائمًا إلى صراخ أو ضرب، الامتناع عن النفقة فقط أو استكثارها وحده يعد اغتيال معنوي.

كأن الانتقام من الأم أهم من مصلحة الإبن، ولو آلت الحضانة إليهم، لتخلى كثير منهم عنها في أول فرصة، لأن الصغير ماهو إلا ورقة ضغط في نزاع الكبار.

بعد الطلاق، يترقى المجتمع كله إلى منصة القضاء، الجيران، والأقارب، وزملاء العمل، وكل من مر صدفة في الشارع!
والسؤال لا يكون لماذا عنّف؟ ولا لماذا قصّر؟ بل لماذا لم تصبري أكثر؟ وكأن الصبر وظيفة أبدية للمرأة.

والأغرب أن الضحية مطالبة بإثبات كل شيء. عليها أن تثبت الإهانة، والتهديد، والضرب، والعنف، بينما يكفي أن يقال “خلاف عائلي”، فتتحول القضية كلها إلى عبارة قصيرة تصلح كمخرج طوارئ.

بالمناسبة ما رأيكم أن نغسل أيضًا عار الظلم، والتهرب من النفقة وأكل أموال اليتامى، والقذف، والعنف، والابتزاز، أم أن الغسالة لا تعرف إلا وجه المرأة.؟ بينما يُترك "عار" الظلم وهضم الحقوق يمر دون غسيل، وكأنه لا يلطخ شيئًا.

الميثاق الغليظ، ليس عقد استعباد قال تعالى ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
فلماذا تحوّل إلى "إمساكًا بالظلم" أو "تسريحًا بالإذلال" ونتساءل لماذا ترتفع نسب الطلاق، ولماذا ليبيا الأولى عربيًا في معدلاته
ربما لأننا ما زلنا نعتبر أن الزواج إصلاحية
ثم نترك المحاكم تتولى ما تبقى من القصة!
وما لم تستعد القوانين والعادات إنسانيتها، وتجرم "الوأد المعنوي" كما تجرم سابقه، سيبقى هذا "العبء الغليظ" هو العنوان، سنظل ندفن النساء كل يوم، لكن دون أن تتسخ أيدينا بالرمال، ويستمر الوأد لكن هذه المرة ببدلة رسمية، وملفًا قانونيًا، ولسان يتحدث بعادات تتعارض مع الدين.

كتابة : هاجر الدرسي

شارك هذا الخبر: